أحمد بن محمد القسطلاني
406
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
ثم قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى آخر فقمت ( فقلت : مَن يشهد لي ؟ ثم جلست . قال : ثم قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مثله فقمت فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( ما لك يا أبا قتادة ) ؟ فأخبرته بذلك ( فقال رجل ) : هو أسود بن خزاعي الأسلمي كما قاله الواقدي ( صدق ) يا رسول الله ( وسلبه عندي فأرضه ) بقطع الهمزة ( مني ) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي منه . ( فقال أبو بكر ) الصديق - رضي الله عنه - : ( لاها الله ) بقطع الهمزة ووصلها وكلاهما مع إثبات ألف ها وحذفها فهي أربعة : النطق بلام بعدها التنبيه من غير ألف ولا همز ، وبألف من غير همز ، وبالألف وقطع الجلالة ، وبحذف الألف وثبوت همزة . القطع ، والمشهور في الرواية الأول والثالث أي لا والله ( إذًا ) بالتنوين وكسر الهمزة . ومباحث هذا بتمامها سبقت في باب من لم يخمس الأسلاب . وقال في شرح المشكاة : هو كقولك لمن قال لك : الفعل كذا . فقلت : لا والله إذًا لا أفعل فالتقدير إذا ( لا يعمد ) كسر الميم أي لا يقصد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( إلى أسد من أُسد الله ) بضم الهمزة وسكون السين في الثاني أي إلى رجل كأنه أسد في الشجاعة ( يقاتل عن الله ورسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي بسببهما ( فيعطيك سلبه ) أي سلب الذي قتله بغير طيب نفسه ( فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صدق ) أبو بكر ( فأعطه ) بهمزة قطع . قال الحافظ أبو عبد الله الحميدي الأندلسي : سمعت بعض أهل العلم يقول عند ذكر هذا الحديث : لو لم يكن من فضيلة الصديق - رضي الله عنه - إلا هذا فإنه يثاقب علمه وشدة صرامته وقوّة إنصافه وصحة توفيقه وصدق تحقيقه بادر إلى القول الحق فزجر وأفتى وحكم وأمضى ، وأخبر في الشريعة عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بحضرته وبين يديه بما صدّقه فيه وأجراه على قوله ، وهذا من خصائصه الكبرى إلى ما لا يحصى من فضائله الأخرى . قال أبو قتادة : ( فأعطانيه ) أي السلب ( فابتعت ) أي اشتريت ( به مخرفًا ) بفتح الميم والراء بينهما خاء معجمة ساكنة وبعد الراء فاء أي بستانًا ( في بني سلمة ) بكسر اللام بطن من الأنصار ( فإنه ) بالفاء ولأبي ذر وأنه ( لأوّل مال تأثلته ) اقتنيته ( في الإسلام ) . وعند أحمد عن أنس أن هوازن جاءت يوم حنين فذكر القصة قال : فهزم الله المشركين فلم يضرب بسيف ولم يطعن برمح ، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يومئذٍ " من قتل كافرًا فله سلبه " فقتل أبو طلحة يومئذٍ عشرين راجلاً وأخذ أسلابهم . وقال أبو قتادة : إني قتلت رجلاً على حبل العاتق وعليه درع فأعجلت عنه فقام رجل فقال : أخذتها فأرضه منها . وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يسأل شيئًا إلا أعطاه أو سكت فسكت . فقال عمر : لا يفيئها الله على أسد من أسده ويعطيكها فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " صدق عمر " وإسناد هذا الحديث أخرج به مسلم بعض هذا الحديث ، وكذلك أبو داود ، ولكن الراجح أن الذي قال ذلك أبو بكر كما رواه أبو قتادة وهو صاحب القصة ، فهو أتقن بما وقع فيها من غيره ، ويمكن أن يجمع بأن يكون عمر أيضًا قال ذلك تقوية لقول أبي بكر قاله في فتح الباري . وحديث الباب مر في باب من لم يخمس الأسلاب من الخمس . 4322 - وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُ رَجُلاً مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَآخَرُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، يَخْتِلُهُ مِنْ وَرَائِهِ لِيَقْتُلَهُ فَأَسْرَعْتُ إِلَى الَّذِي يَخْتِلُهُ فَرَفَعَ يَدَهُ لِيَضْرِبَنِي وَأَضْرِبُ يَدَهُ فَقَطَعْتُهَا ، ثُمَّ أَخَذَنِي فَضَمَّنِي ضَمًّا شَدِيدًا حَتَّى تَخَوَّفْتُ ثُمَّ تَرَكَ فَتَحَلَّلَ وَدَفَعْتُهُ ، ثُمَّ قَتَلْتُهُ ، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَانْهَزَمْتُ مَعَهُمْ ، فَإِذَا بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي النَّاسِ ، فَقُلْتُ لَهُ : مَا شَأْنُ النَّاسِ ؟ قَالَ : أَمْرُ اللَّهِ ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ ، فَلَهُ سَلَبُهُ » ، فَقُمْتُ لأَلْتَمِسَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلِي فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لِي ، فَجَلَسْتُ ثُمَّ بَدَا لِي فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ : سِلاَحُ هَذَا الْقَتِيلِ الَّذِي يَذْكُرُ عِنْدِي ، فَأَرْضِهِ مِنْهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : كَلاَّ ، لاَ يُعْطِهِ أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَدَّاهُ إِلَيَّ فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا ، فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلاَمِ . ( وقال الليث ) بن سعد الإمام فيما وصله المؤلّف في الأحكام عن قتيبة عن الليث : ( حدثني ) بالإفراد ( يحيى بن سعيد ) الأنصاري ( عن عمر بن كثير بن أفلح ) بضم العين مولى أبي أيوب ( عن أبي محمد ) نافع ( مولى أبي قتادة أن أبا قتادة ) - رضي الله عنه - ( قال : لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلاً من المشركين وآخر من المشركين يختله ) بخاء معجمة ساكنة وفوقية مكسورة أي يخدعه ( من ورائه ليقتله فأسرعت إلى الذي يختله فرفع يده ليضربني وأضرب ) بواو فهمزة قطع ولأبي ذر فأضرب ( يده فقطعتها ثم أخذني فضمني ضمًّا شديدًا حتى تخوّفت ) الموت فحذف المفعول ( ثم ترك - ) - ني من الترك كذا في الفرع كأصله مصححًا عليه مع حذف المفعول . وقال في فتح الباري وغيره : برك كذا بالموحدة للأكثر ولبعضهم بالمثناة ( فتحلل ودفعته ثم قتلته وانهزم المسلمون وانهزمت معهم ) أي غير